أحمد بن محمود السيواسي

18

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

مقام معلوم في السماء يعبد فيه ولا يتجاوزه إلا باذن ، أي لا نستطيع أن نزل عنه ظفرا خشوعا لعظمته أذلاء بين يديه فكيف يكون جنسية بيننا وبينه تعالى كما روي : فمنهم راكع لا يقيم صلبه وساجد لا يرفع رأسه « 1 » . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 165 إلى 169 ] وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ( 165 ) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ( 166 ) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ ( 167 ) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 168 ) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 169 ) ( وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ) [ 165 ] أقدامنا للصلاة خاشعين خاضعين أو الصافون حول العرش ( وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ) [ 166 ] أي نسبح اللّه تعالى عما لا يليق بجلاله ونمجده كما يجب على العباد لربهم فلا نكون مناسبين لرب العزة أصلا ، قوله ( وَإِنْ كانُوا ) « إِنْ » مخففة من الثقيلة واللام في ( لَيَقُولُونَ ) [ 167 ] هي الفارفة بينها وبين « إن » النافية ، نزل حين قال كفار مكة لو كان لنا كتاب مثل اليهود والنصارى لكنا نؤمن مخلصين « 2 » ، فلما جاءهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالقرآن كفروا فأخبر تعالى بأنهم كانوا يقولون ( لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً ) أي كتاب ( مِنَ ) كتب ( الْأَوَّلِينَ ) [ 168 ] الذين نزل عليهم التورية أو الإنجيل ( لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) [ 169 ] أي لأخلصنا العبادة للّه . [ سورة الصافات ( 37 ) : آية 170 ] فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 170 ) ( فَكَفَرُوا بِهِ ) أي بالقرآن وهو سيد الأذكار والكتب ، إذ هو معجز من بينها ( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) [ 170 ] عاقبة كفرهم وتكذيبهم وما حل بهم من الانتقام في الدنيا والآخرة . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 171 إلى 173 ] وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ( 171 ) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ( 172 ) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ( 173 ) ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا ) أي عدتنا بالنصر ( لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ) [ 171 ] والكلمة التي هي العدة ، قوله ( إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ [ 172 ] وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ) [ 173 ] أي المؤمنون منهم الغالبون على الكفار بالحجة في الدنيا والعزة في الآخرة وإن انهزموا وغلبوا في بعض المشاهد « 3 » في أثناء الحال . [ سورة الصافات ( 37 ) : آية 174 ] فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ( 174 ) ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ) أي أعرض عن كفار مكة وعن أذاهم ( حَتَّى حِينٍ ) [ 174 ] أي حين تؤمر فيه « 4 » بالقتال ، فنسخت بآية القتال « 5 » . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 175 إلى 182 ] وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ( 175 ) أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ( 176 ) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ ( 177 ) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ( 178 ) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ( 179 ) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 180 ) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ( 181 ) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 182 ) ( وَأَبْصِرْهُمْ ) إذا نزل بهم العذاب هنا من القتل والأسر والعقوبة في الآخرة ( فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ) [ 175 ] أي يبصرونك وما يقضى لك من النصرة والغلبة والثواب في العاقبة وفي الأمر للنبي عليه السّلام بأبصارهم على الحال الموعودة الدلالة على أنها كائنة لا محالة وتسلية له ، وفي « سوف يبصرون » تهديد شديد لهم ليتوبوا ، فثم قال الكفار متى ينزل العذاب بنا يا محمد استهزاء واستعجالا فنزل « 6 » ( أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ) [ 176 ] لزيادة التخويف ، أي أفبعذاب مثلي وأنا رب العزة يستعجلون ( فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ ) أي العذاب بقربهم وحضرتهم ( فَساءَ ) أي يقال بئس ( صَباحُ الْمُنْذَرِينَ ) [ 177 ] أي بئس الصباح صباح من أنذر بالعذاب وكذب به فلم يؤمن ، روي : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما نزل بقرب خيبر قال : « اللّه أكبر هلكت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح

--> ( 1 ) أخذه عن الكشاف ، 5 / 128 129 . ( 2 ) لعل المفسر أخذه عن الكشاف ، 5 / 129 . ( 3 ) المشاهد ، ح و : المشاهدة ، ي . ( 4 ) فيه ، وي : فيهم ، ح . ( 5 ) عن مقاتل بن حيان ، انظر البغوي ، 4 / 584 ؛ وانظر أيضا هبة اللّه بن سلامة ، 76 ؛ وابن الجوزي ، 48 - 49 ( عن قتادة وابن زيد ) . ( 6 ) أخذه عن البغوي ، 4 / 584 .